مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

نظرة

حماية الملكية الصحفية من السطو الإلكتروني 

 

بعد مقالي السابق حول خطورة منح الأولوية لمنصة «فيسبوك» على حساب الصحافة الوطنية، كان هناك اتصالات من زملاء وشيوخ مهنة، انتهت بنا النقاشات إلى حقيقة  احب ان اتناولها : نحن لا نواجه مجرد تهميش لإعلامنا، بل نواجه "جريمة كاملة الأركان" تستهدف اغتيال "الملكية الصحفية أو  الخبرية" والسطو على عرق الجماعة الصحفية.

 

هنا يبرز السؤال الوجودي: مَن يملك الخبر  اوالمادة الصحفية؟ هل هو الصحفي الذي سعى إليه، و تحمل عناء التحقق من مصادره، وكتبه وفق مواثيق الشرف؟ أم ذلك "العابر" الذي قرأه في لحظة، فسرقه في ثانية و تحول الى محلل سياسى كبير فى بضع دقائق خلى بها بنفسه فعاش فى أحلام اليقظة ، ونسب الخبر لنفسه مشفوعًا آراء وانطباعات لا تستند لغير الهوى؟

 

الحقيقة التي يقفز فوقها لصوص المحتوى، هي أن الخبر اوالمادةالصحفية ليس نصًا مجانيًا مُلقى في الفضاء الإلكتروني، بل هو "منتج مهني" له دورة إنتاج شاقة وتكلفة مادية وبشرية باهظة. يبدأ من "مُحرر" يتحرك في الميدان، يجمع الخيوط، و يراجع المصادر ويمر الخبر  بمراحل  و محطات تنقية  تشبة الكيماء المعقدة  وصولًا لقرار رئيس التحرير الذى قد يعيدة مرة اخرى لتعديل التحرير  و كل هذه المرحل تمر فى وقت قصير لان من يقوم عايها اساتذ كبار  و متدربين محترفين

هذه المنظومة  هي صمام الأمان الوحيد للمجتمع ضد الكذب. لكن ما يحدث الآن هو اختصار مخجل لكل هذا الجهد في ثوانٍ؛ إذ يأتي شخص لا علاقة له بالمهنة، يعيد الصياغة، ثم يتحول فجأة إلى "محلل" يفسر سياقات لا يدرك عنها شيئًا. نحن هنا لا نتحدث عن خطأ، بل عن "سطو مهني" مكتمل الأركان.

المنصات الاجتماعية  لم تُنشأ لتكون بديلًا لغرف التحرير، بل كانت ساحة "للتواصل الاجتماعي" في دوائره  الاجتماعية لكن  سوء الاستخدام حولها إلى مساحة لمن يمتلك "هاتفًا" لا لمن يمتلك "معرفة".

والأخطر من  هذا السطو هو ما يليها: الخبر ا يُعاد إنتاجه بشكل مشوه، بعناوين مثيرة، و اجتزاء للوقائع، بهدف حصد "اللايكات" لا نقل الحقيقة. وهنا يتحول الخبر من وسيلة للمعرفة إلى "أداة للتضليل". لقد استبدلنا "المصداقية" بـ "الانتشار"، واكتفينا بما يلمع على الشاشة عما يوثق في الأوراق.

 

إن استمرار هذا الوضع يفتح الباب واسعًا أمام "تفكيك المجتمع". فالمجتمع الذي يفقد الثقة في مصادره الرسمية والوطنية يصبح لقمة سائغة في أفواه المغرضين. إن العبث بالمعلومة في هذا التوقيت أخطر من العبث بالسلاح؛ لأن السلاح يقتل أجسادًا، أما المعلومة المشوهة فتقتل عقولًا وتدمر أوطانًا.

 

لذا، نجدد النداء للمؤسسات الرسمية والوزارات والمحافظات: قصروا النشر الأول على  الصحف  الوطنية و الاعلام الوطنى . فهي ليست مجرد وسيط، بل هي الضامن الوحيد لسلامة المعلومة وشريك أصيل في صناعة الوعي.

 

المعركة اليوم ليست بين "ورقة" و"شاشة"، بل هي معركة بين "المهنية" و"الفوضى". بين من يصنع الخبر بعرقه، ومن يسطو عليه بضغطة زر. القاعدة واضحة ولا تقبل القسمة على اثنين: الخبر ملك لمن صنعه بصدق، ومن لا يحترم ملكية المعلومة، لا يملك حق الحديث عنها.

 

إما أن نحفظ للخبر والمادة الصحفية قيمتها ونرد الاعتبار للصحافة الوطنية كخط دفاع أول.. أو نترك وعينا نهبًا لمن لا يعرف كيف يُصنع الخبر، لكنه يجيد فقط كيف يستغله.

إن ضياع حقوق الملكية  الصحفية يؤدي بالضرورة إلى إضعاف المؤسسات الصحفية الوطنية. وحين تضعف هذه المؤسسات، يفرغ الساحة لـ "إعلام الظل" والشائعات والمغرضين. لذا، فإن حماية الملكية الفكرية و الخبرية للصحافة هي في جوهرها حماية لـ "جدار الوعي" القومي

 كما إن من يهمش مصدر المعلومة يفقد مصداقيته، ومن يستولى على مجهود غيره يمارس فساداً مهنياً لا يقل خطورة عن أي فساد آخر. الملكية الصحفية ليست مجرد "حق مالي"، بل هي صمام أمان لضمان استمرار مهنة البحث عن المتاعب، وحماية المجتمع من فوضى "الأخبار مجهولة المصدر" التي تطل علينا من نوافذ التواصل الاجتماعي.